الأربعاء، 12 أكتوبر 2011

ضمير

جلس في الغرفة المظلمة إلا من مصباح صغير يضيء في حمام الغرفة المجاورة و يبعث بشعاع خافت من وراء الفوتيه اللامع الذي يجلس عليه. فتح جهاز التلفاز للمرة العاشرة و أعاد برنامج الإذاعي يسري فودة و هو يحكي مع ذلك الطبيب الذي أصيب يوم ثورة الغضب. حكايات الطبيب أعادته ليوم ثورة الغضب حينما خرج من بيته مودعاً زوجته الجميلة و إبنته. قالت له زوجته أنها حلمت في تلك الليلة بعاصفة قويه كالتي رأتها في التلفاز تضرب قصر أبيه اللواء الكبير بأمن الدولة و كان القصر داخل العاصفة محترقاً و مشوهاً كثيراً و مظلماً. تذكر كيف كان المشهد و هو يركب سيارته يوم الجمعة الشهير بجمعة الغضب و كيف كان الجو هادئاً تماماً صباحاً و هو يخرج في الخامسة ليذهب لمنطقة خدمته. هو الوحيد من أبناء أبيه الذي رفض أن يدخل مجال الأعمال كان همه أن يكون ذا قوة و سلطة. أباه من أغنى الأغنياء و حينما فاتحه في دخوله كلية الشرطة ذهل والده و قال له أنه قد وفر عليه مشقة سنوات بثروته الطائلة و التي صنعها -كما قال- بذكائه و قوة قريحته و ذلك رغم أن الشرطة لا تدر مالاً لأحد. و كان دخوله الشرطة سهلاً كما توقع و بوساطة أبيه - كان دوماً - مميزاً بتعييناته و أماكن خدمته. و رغم وجود أماكن شاغرة بأمن الدولة أو حتى المخابرات إلا أنه أصر على الأمن المركزي و التعامل مباشرة مع الجمهور و بخاصة المعترضين هؤلاء. لم تكن تثيره مطالبهم و لا حقوقهم المزعومة كان كل ما يهمه النظرة الأخيرة في عين كل من يقبض عليه و بخاصة حينما يدرك أنه إنهزم أمام ذلك الضابط القوي. كانت تثيره جداً نظرة الإنكسار و الخوف و القلق ربما أكثر كثيراً من أى بهجة أخرى بالحياة. حينما بدا له أن الثورة هذه المرة حقيقية و أن الناس فعلاً أدركت قوتها و أنهم عازمون على إسقاط النظام. حينها فقط و بداية من أول يناير بدأت تنال منه الكوابيس و الأحلام الرهيبة. عائلته كلها و بيته و حياته كانت بشكل ما مرتبطة بالنظام. أباه و إخوته يفكرون جدياً لو سقط النظام في الرحيل لأنهم بشكل كبير مرتبطون بكثير من مظاهر الفساد و سيسأل الناس من أين لكم هذا بالتأكيد؟. و هو نفسه سيفقد متعته الوحيدة في رؤية إنكسار غرائمه. كل هذه الضغوط جعلته عصبياً شريراً للغاية في مكان عمله. لقد كانت معركة أكون أو لا أكون. في لحظات ما كان يتسلل من وراء فرقته و يخرج لأعلى بناية مطلة على التحرير و يخرج بندقية قناصة أخذها من صديق لأبيه ثم ينظر من خلال المنظار و يصوب ثم يضغط الزناد. كان هذا يريحه لحد ما رؤية الذعر و الهرولة و الدم المتناثر ربما يتراجعون! كان يبرر لنفسه أنه في حالة دفاع شرعي عن النفس و أي خطر أكبر من محاكمة آباه و إخوته….. و هو نفسه ربما!…. طالما أن الدنيا وصلت لهذا الحد من الخراب!. ما أوقفه عن كل هذا أنه في يوم جمعة الغضب وقف ذلك الطبيب أمامه، لم يكن يعرف مهنته و لا من هو لكنه من أول وهلة رأى عيني أخاه المتوفي شاباً بالسرطان كعيني ذلك الطبيب تماماً. هناك شيء ما في وجهه كأنه يذكره بأخاه و عينيه. وقف الطبيب يومها بعناد أمام المتاريس التي وضعها بعض الثوار و قال له لن تمروا! وقف مشدوهاً لجزء من الثانية ثم هب فيه شاتماً و لاعناً. و أنذره إنذاراً أخيراً فلم يستجب! أمر السائق مباشره بدهسه و للعجب فقد كان السائق بسرعة خيالية قد تراجع بالعربة للخلف ثم بسرعة رهيبة تقدم للأمام و دهس الطبيب الواقف و بعض المشاركين معه. لوهلة و هو واقف في برج السيارة توقف الزمن. رأى إحدى عيني أخيه تخرج من محجرها و رأى مخه ظاهراً للهواء كما أن جسد أخاه كان يتلوى بصورة ما. و دماء … دماء ….دماء في كل خلايا عينيه و رائحة الدم تشبع الهواء. صرخ في السائق بالوقوف. و حينما تراجعوا للوراء جلس على كرسي و أشعل سيجارة. كان الجنود من حوله يتحدثون طالبين أوامر أو خطة تحرك و هو لم يكن يسمع أحد. فقط كانت عيني أخيه تطارده. فجأة قام و مشى بعيداً و خرج تماما من دائرة خدمته جارياً و هو يجري كان يلقي بملابس الشرطة و الخدمة . ظل يجري و يجري و يجري حتى كادت رئتاه أن تنفجرا. وجد نفسه على ضفه النهر و الشمس تغرب من وراء النهر. جلس هنالك صامتاً حتى منتصف الليل تقريباً. و هكذا مرت عليه الثورة لم يخرج من داره لمدة قاربت على الستة أشهر تغيرت الدنيا خلالها. قبض على أباه و هرب أخوته جميعاً و ذهبت زوجته لدار أبيها لعدم تحملها إنهياره النفسي العنيف. كان عزاؤه الوحيد التلفاز و الجرائد يأتي له بها الخادم كل صباح. و كم كانت صدمته عظيمة حين ظهر وجه أخيه مرة ثانية في حياته. لقد عاد و قد قالوا أنه شفي و ياللعجب فقد كان وجهه الصبوح قد تشوه و عينيه قد صارت زجاجية. أهكذا فعل هو بأحد الناس و ماذا عمن قتل؟ ماذا لو حدث هذا لأباه أو إخوته لو هم من عامة الشعب؟ لماذا كان يقتل الناس بدم بارد هكذا؟ لماذا يبكي الآن كثيراً و يصلي كما لم يصلي قبل أبداً؟. الراحة الوحيدة كان يجدها في شيء واحد حينما قرر أخيراً أن يضع رصاصة في المسدس ذو الحلقة الدوارة. و كل يوم يدير الحلقة و بداخلها الرصاصة الواحدة و سبعة أماكن للرصاص خالية. ثم يغمض عينيه و يوجه الماسورة لمخه و يضغط الزناد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق